أهمیة الترجمة الشفویة فی العصر الراهن

الترجمة الشفویة

إعداد

محمد أرمغان البدايوني الندوي

 

تعریف الترجمة

قال أصحاب اللغة هي شرح و تفسیر لقول أو  تحریر من لغة إلی لغة، یقول العلامة ابن منظور رحمه اﷲ:

“یقال قد ترجم کلامه إذا فسره بلسان آخر ومنه الترجمان”

(لسان العرب: 12/226)

وأضاف قائلا فی شرح “الترجمان”:

“الترجمان؛ هو الذی یترجم الکلام أی ینقله من لغة إلی لغة أخری”

(أيضا: 12/66)

والترجمة فی مصطلح العصر الحدیث هي عملیة تحویل النص المصدر من لغة إلی النص الهدف فی لغة أخری، قال الدکتور سالم العیش فی کتابه “الترجمة فی خدمة الثقافة الجماهیریة” فی تعریف الترجمة مصطلحا:

“الترجمة؛ هي تفسیر فکرة مصاغة من قبل غیره ضمن لغة أخری، ولیس علیه أن یفتش هذه الفکرة فی أي مکان بل کل ما یترتب علیه أن ینقلها بلغة أخری.”

(الترجمة فی خدمة الثقافة الجماهیریة: 6)

وقد أشار إلیها الدکتور جمال عبد الناصر أحد أعلام العرب أیضا فقال:

“إنها نقل کلمة من لغة إلی أخری شریطة أن یکون المعنی المقصود والمستدل علیه -المحسوس منه والمجرد- مفهوما علی الأقل أو موجودا.”

(الترجمة والتعریب: 2)

فبالتالی یمکن القول لنا بکل صراحة أن الترجمة هي نقل الأفکار والمفاهیم العلمیة والثقافیة من لغة إلی لغة أخری مع مراعاة التسلسل المنطقي، وقواعد اللغة النحویة والصرفیة والصوتیة والدلالیة والبلاغیة والمصطلحات والتقابلات ومع الحفاظ علی روح النص المنقول وما إلی ذلک.

أهمیة الترجمة

إن الترجمة التحریریة والشفویة خاصة أدت دورا هاما فی نقل الأفکار والحضارات والثقافات بین الأمم، فإذا درسنا التاریخ علمنا أن الترجمة وسیلة للإبانة بین مختلف الشعوب وأداة مؤثرة للتواصل والتلاقح الحضاري، والجسر الرابط بین البشریة فی معظم المعمورة، لذلک ندرس فی مجموعة الأحادیث والسیرة أن النبي صلی اﷲ علیه وسلم لا ینکر أصحابه إلی تعلم اللغات الأجنبیة، لما فی ذلک من تمکین للدعاة لمخاطبة المجتمعات الأعجمیة بلغاتها، وهذا هو السبب الرئیسي أشار إلیه اﷲ سبحانه وتعالیٰ فی القرآن المجید:

{وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه لیبین لهم}(ابراهیم: 4)

فإن الباحث عن الحضارات والثقافات تخبرنا حقا بأن الترجمة تکون بمثابة الوسیط الذی یمنحنا القدرة علی تحسین فهمنا لقضایا التنمیة ولثقافات الشعوب الأصلیة، والمترجمون لیسوا وسطاء فقط بین الأنظمة اللغویة المختلفة بل وسطاء بین الثقافات أیضا، فالترجمة عالم من الآفاق المفتوحة أمام بیئات ثقافیة ولغویة مجهولة، أو بعبارة أخری أنها بنت الحضارة ورفیقتها الدائمة عبر الزمان والمکان، یقول موراد موکی فی أهمیة الترجمة فی العصر الراهن:

“تکتسی الترجمة بشقیها التحریري والشفوي أهمیة خاصة فی العصر الحاضر، اعتبارا أن الترجمة ضرورة حتمیة للنمو المجتمعي بمختلف مناحیه معطی حضاري ووسیط لنقل المعارف، والآداب والعلوم المختلفة إلی شتی اللغات.”

(الترجمة الشفویة – الأنواع والأسالیب: 4)

استفدنا من هذا البحث أن الترجمة تعتبر فی العصر الراهن من أهم روافد الثقافة، وقد أحرزت انتشارا واسعا ومتنوعا فی کل مجال من مجالات الحیاة، فالترجمة کدافع للحضارة.

أنواع الترجمة

لقد أصبحت الترجمة فی العصر الحدیث ضرورة حاسمة للإنفتاح والتطور الذی یمکن لمجتمع ما أن یعیشه فی مخلتف المجالات التقنیة والعلمیة والإجتماعیة والثقافیة، فننقسم الترجمة حسب مقتضیات کل عصر إلی ثلاثة أقسام؛ ۱-الترجمة التحریریة ۲-الترجمة الآلیة ۳-الترجمة الشفویة.

فالترجمة التحریریة (Translation)

هي نقل نص مکتوب إلی نص مکتوب بلغة أخری، وإن هذا النوع من الترجمة تلعب دورا هاما فی العصر الراهن فی التعامل والتعاون التجاري والصناعي والعسکري والدبلوماسي بین دولتین أو أکثر، یصدر هذا النوع من الترجمة عامة من المتخصصین والخبراء والماهرین.

والترجمة الآلیة (Automatic Translation)

هي ترجمة النصوص اللغویة باستخدام الحاسوب، لکن هذا النوع من الترجمة یحتاج عادة إلی مراجعة بشریة قبل أن تکون الترجمة صالحة للنشر،  والإستعانة بالبرامج الالکترونیة فی ترجمة النصوص هي احتضارا للجهد والوقت الذی لدی المترجم وتسهیلا لعمله.

والترجمة الشفویة (Interpretation) هي نقل کلام بشکل فوري بین متحدثین من لغتین مختلفتین، وهذا النوع من الترجمة تختلف عن الأنواع السابقة، وفی الحقیقة لا تعد مهمة الترجمة الشفویة مسألة یسیرة وإنما هي مسألة معقدة ومتشعبة ودقیقة، فنتکلم فی السطور الآتیة عن أهمیة هذا النوع فی العصر الراهن.

أقسام الترجمة الشفویة

تنقسم الترجمة الشفویة بمعانیها وأسالیبها إلی عدة أقسام، منها ما یلی؛

1-الترجمة المنظورة، 2-الترجمة التتابعیة، 3-الترجمة الثنائیة، 4-الترجمة الفوریة، 5-الترجمة الهمسیة.

فالترجمة المنظورة (Unforeseen Translation)

هي ترجمة شفویة لنص مکتوب حال الإطلاع علیه ودون سابق تحضیر، وتستخدم فی اللقاء ات متعددة اللغات، حیث یکون المستفید من الترجمة مستمعا مشارکا فی العملیة التواصلیة مع المترجم۔

والترجمة التتابعیة(Sequential translation)

هي نقل خطب ومحاضرات وندوات وتصریحات من لغة أصل إلی لغة هدف، فالمترجم یدون ملاحظاته مستخدما اختصارات خاصة أثناء الحدیث ثم یقوم فی نهایة الخطاب بتقدیم الترجمة من الذاکرة وهذا الأسلوب یناسب الخطابات التی یتم القاء ها فی نهایة حفلات الاستقبال والمآدب.

والترجمة الثنائیة(Bilateral Translation)

هي نقل حوار أو محادثات أحد المتحاورین إلی الآخر بأن یقوم أحد کوسیط بینهما بأن ینقل کلام أحدهما إلی الآخر بلغته الأصلیة، فهي مفتاح التعرف الی ثقافات العالم.

والترجمة الفوریة(Semultaneous Translation)

هي نقل کلام رجل من لغة إلی لغة مرتجلا، حیث یستمع المترجم الفوري کلام مخاطبه بأذن واعیة واهتمام کامل ویترجمها فی الوقت نفسه، ولا غرو أن هذا النوع من الترجمة أصعب شیٔ فی الترجمة الشفویة، لکن تبرز أهمیة هذا النوع فی المؤتمرات الدولیة سیاسیة کانت أم اقتصادیة، لذلک هناک وسائل عدیدة تستخدم منها أثناء الترجمة الفوریة، منها ما یلی:

آلة مکبرة الصوت(Microphone) وآلة السماع (Headphone) والأجهزة المساعدة الأخری (Other Supplementary Equipments)

والترجمة الهمسیة (Whisper Translation)

یهمس الترجمان ترجمته فی أذن المستمع، ویستخدم هذا النوع حین یتعذر علی شخص فهم اللغة المصدر، فالمترجم یجلس بالقرب من الشخص الذی یحتاج إلی الترجمة ویقوم بترجمة أقوال المحدث همسا أو عن طریق استخدام جهاز نقال.

الملاحظة

لا بد من الحضور فی جمیع أنواع الترجمة الشفویة أن سائر أقسامها تقوم علی المبادیٔ الأساسیة ذاتها، وهي استیعاب مضمون الرسالة ثم تحلیلها ذهنیا إلی أفکار ثم نقلها إلی اللغة الهدف، واستخدام أسلوب رائع حسب مستویات المستمعین، فالمترجم المنظوري یجب علیه أداء مفهوم اللغة الأصلیة، والمترجم التتابعي ینبغی له أداء معاني اللغة الأصلیة بدون تغییر وإبداع، والمترجم الثنائي یجدر به التحلی من معرفة المعاني والأفکار من جهتین، وأداء المعاني بفصاحة وبلاغة، والمترجم الفوري أمین فی عمله ومسئول فی الخطأ فلا یتسع له المجال فی إبداع المعاني عن نفسه بل هو مشروط فی أداء المعاني حق أدائها، فربما بتغییر یسیر قد واجهت الحکومات والشرکات خسائر فادحة، وأما المترجم الهمسي فهو حر فی إطاره، فمن واجباته اختیار أسلوب وطریق یسهل به التفهیم للمستمعین.

واجبات الترجمة الشفویة

إن الترجمة الشفویة ما زالت تؤدی دورا حاسما فی تنمیة الحضارات وتضییق الفجوة بین مختلف الثقافات، وفی العصر الراهن أضحت الحاجة ماسة بغایة من الشدة إلی إلفات الأنظار لواجبات الترجمة الشفویة، لأنها تهییٔ الظروف لإیجاد فکر عالمي مشترک، ولاغرو فی ذلک أن العالم کله أصبح قریة صغیرة، فلذلک ازداد استخدام الترجمة الشفویة باعتبارها وسیلة جوهریة للتواصل بین الجماعات والشعوب الناطقة بلغات شتی، وفی هذه الصورة یجب للمترجم أن یتمتع بکفاء ة عالیة وحس أدبي وفني حتی یتمکن من نقل الکلمات والجمل والصور بدقة وبأقل ما یمکن من التفریط بالأمانة، فبعد التمعن فی مقومات الترجمة الشفویة وأسالیبها إیجازا نذکر هناک عن واجبات الترجمة الشفویة للمترجم.

  • واجب للمترجم فی ترجمته الاطلاع علی المفردات والمصطلحات الجدیدة ومن المستحیل للمترجم الاعراض عن الأسالیب اللغویة والتعابیر الاصطلاحیة والفنیة الکلاسیکیة والحدیثة.
  • إن الترجمة الشفویة متقاضیة لتعلم قواعد کلا اللغتین النحویة والاستفادة من ممیزات کل لغة لتظهر ترجمة جیدة لا یستطیع أحد تمییزها إن کانت الأصل أو الترجمة، والإلمام باللغة والثقافة التی یترجم إلیها حتی یمتلک النص الذی یترجمه.
  • علی المترجم الشفوي أن یحدث مصادره من معاجم عامة ومتخصصة باستمرار بما یتناسب مع هذا التطور الحادث فی عالم المعلومات، وأن یکون علی متابعة وعلم بما یحدث حوله فی أنحاء العالم، وعلی علم بالعادات والثقافات والصناعات والحرف والمهن والهوایات والعادات والتقالید فی کثیر من دول العالم، فکم من نصوص مترجمة یعجز أهل الترجمة عن فهم المقصود منها وإن کانت صحیحة علی المستوی اللغوي وذلک لأنها تغفل الخصوصیة الثقافیة للغة المقصودة.
  • یجدر للمترجم أن یکون کثیر القرائة والإطلاع فی مختلف العلوم والفنون حتی تسهل علیه عملیة الترجمة.
  • أداء مفهوم العبارة والإحتراز عن ترجمة حرفیة حینما تکون الترجمة ذات الجمل الصعبة اللغویة، وکذلک لا یترجم للمصطلحات العلمیة بل یبحث عن المصطلحات المقابلة لها فی اللغة المنقول إلیها.
  • ومن واجبات المترجم المراعاة فی الترجمة لتسلسل منطقي حتی یفهم القاریٔ بسهولة، ومن میزات المترجم الناجح أیضا أن یدرک طبیعة النص والترجمة معا، وأن یکون کل منهما مستقلا، فالمترجم المخلص فی ترجمته مسخر جمیع قواته فیها، وباذل قصاری جهوده فیها لنقل أفکار صاحب النص وشعوره وأسلوبه ومدلوله.
  • ومن أهم واجبات الترجمة الشفویة للمترجم کذلک استخدام الآلات والأجهزة التی تستخدم فی جمیع أنواع الترجمة الشفویة، وفراغه عن الهموم المعوقة حتی یتمکن من الإستماع إلی النص بأذن واعیة.
  • یجب للمترجم الشفوي التخصص بالموضوع الذی یناوله، أو علی الأقل ملما به إلماما جیدا.
  • یجب للمترجم الشفوي التخصص بالموضوع الذی یناوله، أو علی الأقل ملما به إلماما جیدا.

وفی ختام العنوان نسرد ألفاظ الجاحظ ما کتبه فی کتابه “کتاب الحیوان” عن واجبات الترجمة والمترجم:

“ولا بد للترجمان من أن یکون بیانه فی نفس الترجمة فی وزن علمه فی نفس المعرفة وینبغی أن یکون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إلیها حتی یکون فیهما سواء وغایة ومتی وجدناه أیضا قد تکلم بلسانین علمنا أنه قد أدخل الضیم علیهما لأن کل واحدة من اللغتین تجذب الأخری وتأخذ منها وتعترض علیها وکیف یکون تمکن اللسان منهما مجتمعین فیه کتمکنه إذا انفرد بالواحدة وإنما له قوة واحدة فإن تکلم بلغة واحدة استفرغت تلک القوة علیهما وکذلک إن تکلم بأکثر من لغتین وعلی حساب ذلک تکون الترجمة لجمیع اللغات وکلما کان الباب من العلم أعسر وأضیق العلماء به أقل کان أشد علی المترجم وأجدر أن یخطیٔ فیه ولن تجد البتة مترجما یفی بواحد من هؤلاء العلماء.”

(کتاب الحیوان: 77-76)

صعوبات الترجمة الشفویة

قد أصبح العالم صغیرا بعد الطفرة الهائلة فی مجال المعلومات والإتصالات فی العصر الراهن، لذلک ضاعفت من صعوبة مهمة المترجم الشفوي، فإن القنوات الفضائیة والهاتف المحمول والحاسب الآلي وشبکات المعلومات العالمیة إلی سرعة الإتصال بین أفراد ینتمون لحضارات وثقافات ودیانات ولغات مختلفة، وکل ذلک یلقی عبئا جدیدا علی عاتق المترجم الشفوي الذی لا بد له المتابعة مئات الکلمات والتعبیرات التی تدخل اللغتین اللتین یترجم منها وإلیها، وتزداد مهمته صعوبة إذا کان یترجم فی أکثر من لغتین، فعند أول محاولة تطبیقیة للترجمة الشفویة سیجد الإنسان نفسه أمام عدة عوائق وحلها غالبا ما یکون عن طریق التدرب المکثف وکثرة الممارسة، فالترجمة الشفویة تتطلب من المترجم الشفوي ممارسة فعلیة وتجربة عملیة وخبرة ترجمانیة طویلة تمتد الی سنوات طوال، والمترجم الشفوي لا بد له من أن یکون مؤهلا للإضطلاع بهذه المهمة الصعبة والدقیقة ولا یمکن أن نطلق صفة المترجم الشفوي علی أي شخص مهما کان دون توافر شروط عدیدة تجعل منه مترجما شفویا ناجحا، ومن أهم الصعوبات التی یواجهها المترجم الشفوي فیما یلی:

یواجه المترجم الصعوبة الکبری فی صورة افتقاد جزء من المعلومات، فلا یستطیع المترجم فی ذلک التقاط کل ما یقوله المتحدث، والسبب الرئیسي هو عدم وضوح الخطاب وسرعة المتحدث فی الکلام.

طالما یستلم المترجم الشفوي رسالة منقوصة فانه من الناحیتین المنطقیة والعلمیة سوف یعکس رسالة منقوصة وهذا بدوره یؤثر سلبا علی المترجم الفوري.

ربما یشکل الترکیز المتزاید فی الإصغاء إلی إجهاد کبیر للمترجم الشفوي لأنه بصدد التقاط الخطاب أولا ومن ثم فهمه وتحلیله وأخیرا نقله بکل أمانة ودیانة الی مستمعیه ولکن بشکل متکامل لذلک سوف یؤثر الإصغاء المتزاید وغیر المجدي کلیا علی عملیة الترجمة الشفویة.

وکذلک هناک صعوبات کبیرة أخری تواجه المترجم الشفوي، ولعل من أهمها فی الترجمة من العربیة إلی الإنجلیزیة ما یتمثل فی تأخر الصفة علی الموصوف، ذلک أنه فی اللغة الإنجلیزیة لا بد أن تتقدم الصفة علی الموصوف، ومثال ذلک فالعربیة تقول مثلا؛ الرجل الکبیر، والمترجم الفوري لن یستطیع الإنتظار حتی یسمع بقیة الجملة کلها ثم یبدأ فی الترجمة، فهو یقوم بالترجمة أولا بأول.

ومن الصعوبات الأخری یواجهها المترجم الشفوي أیضا فی هذا الصدد؛ تأخر الفاعل فی الجملة الفعلیة، فیقال مثلا؛ لا یلبث أن ینکشف زیفه، ومن المعلوم أن الجملة الإنجلیزیة تبدأ بالفاعل، وهکذا دوالیک.

بناء علی کل ما تقدم بات متضحا أن الترجمة الشفویة تکتنفها الکثیر من الصعوبات والعقبات التی تعیق العمل عن الترجماني الشفوي، وقد لاحظنا فی السطور الماضیة آنفا أن هذه الصعوبات منها ما یتعلق بشخصیة المترجم الشفوي ونفسیته، وصعوبات تتعلق بالترجمة الشفویة نفسها أي بالمصطلحات والمعنی السیاقي والإقتباس وغیر ذلک، علی الرغم بأن للترجمة الشفویة میزات وخصوصیات تمیز هذا النوع من الترجمة عن الأنواع الأخری علما أن الترجمة الشفویة قدیمة قدم الإنسان.

وظیفة الترجمة الشفویة فی العصر الراهن

إن الترجمة الشفویة متشعبة طرقها، وعورة مسالکها، نبغ ثقافة، بسطة علم، وکل جهد یبذل لتمهید سبلها فهو جهد نافع، وکل سعي لقطف ثمارها فهو سعي نبیل، وقد تبینت بالسطور السابقة أن عملیة الترجمة الشفویة أمر شاق وصعب لا یلیق لکل من هب و دب حسب إرادته، بل هذا أمر تخصصي یلیق بالمتخصصین فحسب، ولا شک فی ذلک أن الترجمة مصطلح علمي ذو أبعاد واسعة جدا لا یمکن حصرها فی إطار ضیق أو تعریف مبسط، فالترجمة لیست ولید الیوم أو الأمس، بل إنها أحد ظواهر النشاط العلمي والحضاري عرفتها الحضارة الإنسانیة منذ عهودها الأولی، حیث ساهمت الترجمة فی صیانة کثیر من التراث العلمي الإنساني بصفة عامة، وکذلک یرجع الفضل الی الترجمة فی کثیر من الإنجازات فی الحضارة العربیة أو الحضارة الغربیة، فبالتالی إنما الترجمة الشفویة فعل ثقافة حیة قادرة علی تحویل موارد المجتمع إلی قوی محرکة للطاقات الإبداعیة فیه، فهي تتحول إلی فعل حضاري ودینامیة قویة لتغییر المجتمع بعد أن أصبح العالم کله قریة ثقافیة واحدة فی عصر العولمة.

نذکر أخیرا بغایة من الإختصار وظیفة الترجمة الشفویة فی العصر الراهن بعد تسلیط الضوء علی أهمیتها:

ترجمة المؤتمرات؛ (Conference Interpretation)

تتیح للمشارکین فی اجتماع متعدد الجنسیات للإتصال ببعضهم البعض بطریقة متواصلة وتذلل عقبة اللغة فیما بینهم، لذلک إن عمل مترجم المؤتمرات فی الوقت الفعلي یعد أمرا جلیا، فلا یمکن للمترجم الشفوي استغراق وقت أطول من وقت المتکلم الأصلي، بإستثناء بضع ثوان.

ترجمة المرافق؛ (Facilities Interpretation)

هي خدمة مرافقة العملاء الذین یحضرون إلی بلد لغرض معین لفترة زمنیة محددة، وتتمیز هذه الترجمة الشفویة بالتلقائیة وبالمواقف المختلفة التی قد یجد المترجم نفسه فیها من اجتماعات رسمیة إلی زیارة المصانع وإلی حفلات خاصة، فشکل الترجمة المستخدم فی هذه الحالة هو تتابعي وفی العادة یقتصر المترجم الشفوي علی بعض الجمل.

ترجمة المحاکم؛ (Tribunals Interpretation)

هي تعود الی الترجمة التی تقدم فی المحاکم وفی قضایا قانونیة من أي نوع کانت، فالترجمة القانونیة تعود إلی الترجمة التی تتم فی وضع قانوني داخل المحکمة أو فی مکتب المحامی.

الترجمة التجاریة؛ (Commercial Interpretation)

إن الترجمة التجاریة أو الإقتصادیة تلعب دورا مهما فی العصر الراهن فی حیاة الفرد والمجتمع والدولة علی حد سواء، ویرجع ذلک إلی أن العالم کله یتفق علی أن الإقتصاد هو عماد الدولة وأساسها، فالإقتصاد القوي یعنی دولة قویة فی شتی المجالات، فقد یتضمن هذا النوع من الترجمة الشفویة کل المواقف، منها؛

  • البنوک فی کل دولة، فالبنوک تقدم خدمات ومن ضمنها أن تکون وسیطا بین بائع فی دولة ما، ومشتری فی دولة أخری، وبکل تأکید لا یمکن للبنک أن یقوم بهذه الوساطة علی الوجه المطلوب إلا عن طریق ترجمة شفویة.
  • التاجر الکبیر یحتاج الی الترجمة الشفویة وکذلک کل رجل یعمل بمجال التصدیر والإستیراد.
  • معظم الشرکات والمصانع والمؤسسات والهیئات الحکومیة والقطاع الخاص تحتاج إلی هذه الترجمة.

ترجمة طبیة؛ (Medical Interpretation)

هي ترجمة العنایة الصحیة وترجمة المستشفیات أو الترجمة فی الحالات الطبیة، تتضمن هذه الترجمة الشفویة مواقف متعددة مثل استشارة روتینیة مع طبیب أو إجراء ات الطواریٔ أو دروس توعیة حول الولادة أو تعزیز اختبارات معملیة معقدة، فإن للترجمة الطبیة أهمیة بالغة فی الحفاظ علی حیاة الإنسان حیث تعتمد سلامة المریض علی وضوح التواصل وفهم الإرشادات والتشغیل الصحیح للأجهزة الطبیة.

ترجمة الهاتف؛(Telephone Interpretation)

هذا النوع من الترجمة الشفویة غالبا ما یعمل المترجمون فی هذا المجال فی الطب والخدمة الإجتماعیة وإدارة الأعمال وقضایا قانونیة، وفی الوقت الحالي تتم الترجمة الهاتفیة تتابعیا، ولکن مع تطور تقنیة الإتصالات فستصبح الترجمة الشفویة هي الأکثر طلبا.

الترجمة المجتمعیة؛ (Community Interpretation)

هي التی تتیح للأشخاص الذین لا یتحدثون بطلاقة فی اللغات الرسمیة فی البلد للتخاطب والإتصال التی تستعملها الحکومة المحلیة عند تقدیم الخدمات، وأکثر المجالات التی تستعمل فیها الترجمة المجتمعیة هي الخدمات الإجتماعیة مثل الضمان الإجتماعي والإسکان والتوظیف والمدارس، والمستشفیات وما إلی ذلک.

خاتمة البحث

لا شک أن للترجمة الشفویة أهمیة کبیرة فی رقي الأمم، ومساهمة قویة فی تحقیق الحاجة البشریة فی کثیر من نواحي الحیاة الإنسانیة، ومساعدة جلیة علی مواجهة التحدیات المعاصرة، کما تعمل علی مسایرة الواقع الإجتماعي الحي.

وأقول أخیرا أن هذا المقال الوجیز من عصارة تجربتی وممارستی فی هذا المجال، فقد کتبت فیه ما یتعلق بالترجمة الشفویة مع تعریفها وأهمیتها وأنواعها وأقسامها وصعوباتها ووظیفتها فی العصر الراهن.

أسأل اﷲ تعالیٰ أن یرزقنی الفوز والنجاح والتوفیق وأن یمن علي بتقدیم العلم وورفع درجات عنده لما قدمت من علم و معرفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.